ابن كثير
266
البداية والنهاية
مكر الله إلا القوم الخاسرون ) [ الأعراف : 99 ] ثم لما كان ليلة الجمعة الرابع والعشرين من ربيع الأول ( 1 ) أصبح مذبوحا فأثبت محضر بأنه ذبح نفسه فالله تعالى أعلم . كائنة عجيبة غريبة جدا ثم لما كان يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة وقع اختلاف بين جيش دمشق وبين الأمير سيف الدين ألجي بغا ، نائب طرابلس ، الذي جاء فأمسك نائب دمشق الأمير سيف الدين أرغون شاه الناصري ، ليلة الخميس وقتله ليلة الجمعة كما تقدم ، وأقام بالميدان الأخضر يستخلص أمواله وحواصله ، ويجمعها عنده ، فأنكر عليه الأمراء الكبار ، وأمروه أن يحمل الأموال إلى قلعة السلطان فلم يقبل منهم ، فاتهموه في أمره ، وشكوا في الكتاب على يده من الامر بمسكه وقتله ، وركبوا ملبسين تحت القلعة وأبواب الميادين ، وركب هو في أصحابه وهم في دون المائة ، وقائل يقول هم ما بين السبعين إلى الثمانين والتسعين ، جعلوا يحملون على الجيش حمل المستقتلين ، إنما يدافعهم مدافعة المتبرئين ، وليس معهم مرسوم بقتلهم ولا قتالهم ، فلهذا ولى أكثرهم منهزمين ، فخرج جماعة من الجيش حتى بعض الأمراء المقدمين ، وهو الأمير الكبير سيف الدين ألجي بغا العادلي ، فقطعت يده اليمنى ، وقد قارب التسعين ، وقتل آخرون من أجناد الحلقة والمستخدمين ، ثم انفصل الحال على أن أخذ ألجي بغا المظفري من خيول أرغون شاه المرتبطة في إسطبله ما أراد ، ثم انصرف من ناحية المزة صاغرا على عقبيه ، ومعه الأموال التي جمعها من حواصل أرغون شاه ، واستمر ذاهبا ، ولم يتبعه أحد من الجيش ، وصحبته الأمير فخر الدين إياس ، الذي كان حاجبا ، وناب في حلب في العام الماضي ، فذهبا بمن معهما إلى طرابلس ، وكتب أمراء الشام إلى السلطان يعلمونه بما وقع ، فجاء البريد بأنه ليس عند السلطان علم بما وقع بالكلية ، وأن الكتاب الذي جاء على يديه مفتعل ، وجاء الامر لأربعة آلاف من الجيش الشامي أن يسيروا وراءه ليمسكوه ثم أضيف نائب صفد مقدما على الجميع ، فخرجوا في العشر الأول من ربيع الآخر . وفي يوم الأربعاء سادس ربيع الآخر خرجت العساكر في طلب سيف الدين ألجي بغا العادلي في المعركة وهو أحد أمراء الألوف المقدمين ، ولما كانت ليلة الخميس سابعه نودي بالبلد على من يقربها من الأجناد أن لا يتأخر أحد عن الخروج بالغد ، فأصبحوا في سرعة عظيمة واستنيب في البلد نيابة عن النائب الراتب الأمير بدر الدين الخطير ، فحكم بدار السعادة على عادة النواب . وفي ليلة السبت بين العشاءين سادس عشره دخل الجيش الذين خرجوا في طلب ألجي بغا المظفري ، وهو معهم أسير ذليل حقير ، وكذلك الفخر إياس الحاجب مأسور معهم ، فأودعا في القلعة مهانين من جسر باب النصر الذي تجاه دار السعادة ، وذلك بحضور الأمير بدر الدين الخطير
--> ( 1 ) في بدائع الزهور 1 / 1 / 534 : رجب .